كتابخانه اهل بيت (ع) - نسخه اول
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- بانك فيشها -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تفسير الرازي - الرازي - ج 1 - ص 30 - 32
مسألة العاشرة : الكلام الذي هو متركب من الحروف والأصوات فإنه يمتنع في بديهة العقل كونه قديما لوجهين : الأول : أن الكلمة لا تكون كلمة إلا إذا كانت حروفها متوالية فالسابق المنقضي محدث ، لأن ما ثبت عدمه امتنع قدمه ، والآتي الحادث بعد انقضاء الأول لا شك أنه حادث ، والثاني : أن الحروف التي منها تألفت الكلمة إن حصلت دفعة واحدة لم تحصل الكلمة ، لأن الكلمة الثلاثية يمكن وقوعها على التقاليب الستة فلو حصلت الحروف معا لم يكن وقوعها على بعض تلك الوجوه أولى من وقوعها على سائرها ، ولو حصلت على التعاقب كانت حادثة ، واحتج القائلون بقدم الحروف بالعقل والنقل : أما العقل فهو أن لكل واحد من هذه الحروف ماهية مخصوصة باعتبارها تمتاز عما سواها ، والماهيات لا تقبل ‹ صفحه 31 › الزوال ولا العدم ، فكانت قديمة ، وأما النقل فهو أن كلام الله قديم ، وكلام الله ليس إلا هذه الحروف ، فوجب القول بقدم هذه الحروف ، أما أن كلام الله قديم فلأن الكلام صفة كمال وعدمه صفة نقص ، فلو لم يكن كلام الله قديما لزم أن يقال إنه تعالى كان في الأزل ناقصا ثم صار فيما لا يزال كاملا ، وذلك بإجماع المسلمين باطل ، وإنما قلنا إن كلام الله تعالى ليس إلا هذه الحروف لوجوه : أحدها : قوله تعالى : * ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) * ومعلوم أن المسموع ليس إلا هذه الحروف ، فدل هذا على أن هذه الحروف كلام الله ، وثانيها : أن من حلف على سماع كلام الله تعالى فإنه يتعلق البر والحنث بسماع هذه الحروف ، وثالثها : أنه نقل بالتواتر إلينا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : " إن هذا القرآن المسموع المتلو هو كلام الله " فمنكره منكر لما عرف بالتواتر من دين محمد عليه الصلاة والسلام فيلزمه الكفر . والجواب عن الأول أن ما ذكرتم غير مختص بماهية دون ما هي ، فيلزمكم قدم الكل ، وعن الثاني أن ما ذكرتم من الاستدلال خفي في مقابلة البديهيات فيكون باطلا . وصف كلام الله تعالى بالقدم : المسألة الحادية عشرة : إذا قلنا لهذه الحروف المتوالية والأصوات المتعاقبة إنها كلام الله تعالى كان المراد أنها ألفاظ دالة على الصفة القائمة بذات الله تعالى فأطلق اسم الكلام عليها على سبيل المجاز ، وأما حديث الحنث والبر فذلك لأن مبني الأيمان على العرف ، وإذا قلنا : كلام الله قديم ، لم نعن به إلا تلك الصفة القديمة التي هي مدلول هذه الألفاظ والعبارات . وإذا قلنا : كلام الله معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم ، عنينا به هذه الحروف وهذه الأصوات التي هي حادثة ، فإن القديم كان موجودا قبل محمد عليه الصلاة والسلام فكيف يكون معجزة له ؟ وإذا قلنا : كلام الله سور وآيات ، عنينا به هذه الحروف ، وإذا قلنا : كلام الله فصيح ، عنينا به هذه الألفاظ ، وإذا شرعنا في تفسير كلام الله تعالى عنينا به أيضا هذه الألفاظ . الأصوات التي نقرأ بها ليست كلام الله : المسألة الثانية عشرة : زعمت الحشوية أن هذه الأصوات التي نسمعها من هذا الإنسان عين كلام الله تعالى ، وهذا باطل ، لأنا نعلم بالبديهة أن هذه الحروف والأصوات التي نسمعها من هذا الإنسان صفة قائمة بلسانه وأصواته ، فلو قلنا بأنها عين كلام الله تعالى لزمنا القول بأن الصفة الواحدة بعينها قائمة بذات الله تعالى وحالة في بدن هذا الإنسان ، وهذا معلوم الفساد بالضرورة ، وأيضا فهذا عين ما يقوله النصارى من أن أقنوم الكلمة حلت في ناسوت صريح ، وزعموا أنها حالة في ناسوت عيسى عليه السلام ، ومع ذلك فهي صفة لله تعالى ، وغير زائلة عنه ، وهذا عين ما يقوله الحشوية من أن كلام الله تعالى حال في لسان هذا الإنسان ‹ صفحه 32 › مع أنه غير زائل عن ذات الله تعالى ، ولا فرق بين القولين ، إلا أن النصارى قالوا : بهذا القول في حق عيسى وحده ، وهؤلاء الحمقى قالوا بهذا القول الخبيث في حق كل الناس من المشرق إلى المغرب . المسألة الثالثة عشرة : قالت الكرامية : الكلام اسم للقدرة على القول ، بدليل أن القادر على النطق يقال إنه متكلم ، وإن لم يكن في الحال مشتغلا بالقول ، وأيضا فضد الكلام هو الخرس ، لكن الخرس عبارة عن العجز عن القول ، فوجب أن يكون الكلام عبارة عن القدرة على القول ، وإذا ثبت هذا فهم يقولون : إن كلام الله تعالى قديم ، بمعنى أن قدرته على القول قديمة ، أما القول فإنه حادث ، هذا تفصيل قولهم وقد أبطلناه . خلاف الحشوية والأشعرية في صفة القرآن : المسألة الرابعة عشرة : قالت الحشوية للأشعرية : إن كان مرادكم من قولكم : " إن القرآن قديم " هو أن هذا القرآن دال على صفة قديمة متعلقة بجميع المأمورات والمحرمات وجب أن يكون كل كتاب صنف في الدنيا قديما ، لأن ذلك الكتاب له مدلول ومفهوم ، وكلام الله سبحانه وتعالى لما كان عام التعلق بجميع المتعلقات كان خبرا عن مدلولات ذلك الكتاب فعلى هذا التقدير لا فرق بين القرآن وبين سائر كتب الفحش والهجو في كونه قديما بهذا التفسير ، وإن كان المراد من كونه قديما وجها آخر سوى ذلك فلا بد من بيانه . والجواب أنا لا نلتزم كون كلامه تعالى متعلقا بجميع المخبرات ، وعلى هذا التقدير فيسقط هذا السؤال . واعلم أنا لا نقول : إن كلامه لا يتعلق بجميع المخبرات لكونها كذبا ، والكذب في كلام الله محال ، لأنه تعالى لما أخبر أن أقواما أخبروا عن تلك الأكاذيب والفحشيات فهذا لا يكون كذبا ، وإنما يمنع منه لأمر يرجع إلى تنزيه الله تعالى عن النقائص ، والأخبار عن هذه الفحشيات والسخفيات يجري مجرى النقص ، وهو على الله محال . واعلم أن مباحث الحرف والصوت وتشريح العضلات الفاعلات للحروف وذكر الإشكالات المذكورة في قدم القرآن أمور صعبة دقيقة ، فالأولى الاكتفاء بما ذكرناه ، والله أعلم بالصواب .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شناسنامه‌ها
كتاب | نويسنده | جلد | وفات | گروه | تحقيق | چاپ | سال چاپ | چاپخانه | ناشر | شابك | توضيحات
تفسير الرازي|الرازي|1|606|مصادر تفسير سنى||الثالثة|||||
پايان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .